عبدالمطلب وسيف ابن ذي يزن
لما ملك سيف بن ذي يزن اليمن، وأباد عنها الحبشة، وفد عليه أشراف العرب للتهنئة.
وكان من أشرافها خمسة: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وخويلد بن أسد، ووهب بن عبد مناف بن زهرة، وكان ابن ذي يزن في قصره بصنعاء، فلما علم بهم جلس لهم على سريره -وكان من الذهب-، ولبس ثياب الملك، ووضع على رأسه التاج
وتضمخ بالغالية، وجعل بين يديه سيفا مسلولا، واستدعى بهم، فدخلوا عليه وملوك حمير عن يمينه وشماله.
فاستأذنه عبد المطلب في الكلام وقام قائماً، فقال عبد المطلب:
أما بعد، فإن الله أحلك أيها الملك محلا رفيعا، باذخا شامخا منيعا، وأنبتك نباتا طابت أرومته، وعزت جرثومته، وثبت أصله، وبسق فرعه بأكرم معدن وأطيب موطن، فإنك -أبيت اللعن- رأس العرب الذي تنقاد إليه، وعمودها الذي تعتمد عليه، وسائسها الذي يقوم بأمرها، ومعقلها الذي تلتجئ إلى ذراه، سلفك لنا خير سلف، وأنت لنا منهم خير الخلف، ولن يجهل من تقدم سلفه، ولم يهلك من أنت خلفه.
أيها الملك، نحن أهل بيت الله وسكان حرمه وسدنة كعبته، أشخصنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب الذي فدحنا، فنحن وفد التهنئة لا وفد المرزئة.
فقال له ابن ذي يزن: من أنت أيها المتكلم؟ قال: أنا عبد المطلب بن هاشم. فقال: ابن أختنا؟ قال: نعم. فقال: ادنه، فدنا منه، فأقبل عليه وقال: مرحبا وأهلا، وناقة ورحلا، ومستناخا سهلا، وملكا ربحلا ، يعطى عطاء جزلا.
قد سمع الملك مقالتك، وعرف قرابتك، أنتم أهل الليل والنهار، ولكم الكرامة ما أقمتم، والحباء إذا ظعنتم، أنتم قريش الأباطح، أهل الشرف والفضل، والسناء والمجد، وأنت يا عبد المطلب ربيع الأنام وسيد الأقوام.
ثم أنزلهم دار الضيافة، وأجرى عليهم الإنزال، فأقاموا شهرا لا يصلون إليه، ثم انتبه لهم انتباهة،
فأرسل إلى عبد المطلب من بينهم خاصة، فأتاه فأجلسه معه على سريره.
وقال له: يا ابن هاشم إني مفض إليك من سري ما لو كان غيرك لم أبح به، ولكني رأيتك أهلا له وموضعه، فليكن عندك مطويا حتى ينفذ الله أمره.
ثم قال: إني لأجد في الكتاب الناطق، والعلم الصادق الذي اخترناه لأنفسنا واحتجناه دون غيرنا، خبرا عظيما وخطبا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة، هو لك خاصة، ولقومك عامة.
فقال: أيها الملك، لقد أبت بخير ما آب به وافد خبر، ولولا هيبة الملك لسألته من كشف بشارته إياي ما أزداد به سرورا.
فقال: نبي هذا حينه الذي يولد فيه، اسمه محمد وأحمد، خدلج الساقين، أكحل العينين، في عينيه علامة، وبين كتفيه شامة بيضاء، كأن وجهه فلقة قمر، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا يعز بهم أولياءه، ويخذل بهم أعداءه، يضربون دونه الناس عن عرض، ويفتح الله بهم كرائم الأرض، يكسر به الأوثان، ويعبد الرحمن، ويدحض به الشيطان، وتخمد النيران، قوله فصل، وحكمه عدل.
فقال له عبد المطلب: عز جدك، وعلا كعبك، وطال عمرك، أفصح لي إفصاحا، وأوضح لي إيضاحا.
فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك لجده يا عبد المطلب من غير كذب. فخر عبد المطلب ساجدا، ثم رفع رأسه.
فقال له الملك: ثلج صدرك، وعلا أمرك، وبلغت أملك في عقبك، هل أحسست مما قلت شيئا؟
قال: نعم، كان لي ولد كنت عليه شفيقا، وبه رفيقا، زوجته كريمة من كرائم قومي اسمها آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام فيه كل ما ذكر الملك.
فقال له: فاحتفظ به من اليهود فإنهم أعداؤه ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، والله مظهر دعوته، وناصر شريعته، فأغض على ما قلت لك، واستره دون هؤلاء الرهط الذين معك، فلست آمن أن تدخلهم النفاسة في أن تكون لك الرياسة، فينصبوا لك الحبائل، ويغتالوا لك الغوائل، وهم فاعلون ذلك وأبناؤهم.
ولولا علمي أن الموت مجتاحي قبل مخرجه، لسرت إليه بخيلي ورجلي، وصيرت يثرب دار ملكي حيث يكون فيها خبره، فأكون وزيره وصاحبه، ومشيره وظهيره على من عاداه وعانده وناوأه، فإنا نجد في العلم المصون والسر المكنون، أن يثرب دار ملكه، وبها استحكام أمره، وتربتها موضع قبره، ولولا الذمامة بعد الزعامة، وصغر سنه، لأظهرت أمره وأوطأت العرب كعبه.
ثم أمر لكل واحد من القوم بمئتي بعير وعشرة أعبد وعشرة إماء، وعشرة أرطال فضة، وخمسة أرطال ذهب، وكرش مملوءة عنبرا، وأمر لعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا كان في رأس الحول، فأتني بخبره وما يحدث من أمره.
فتوفي الملك قبل رأس الحول، وكان عبد المطلب يقول لأصحابه: لا تغبطوني بعطاء الملك وجزيله، ولكن اغبطوني بما أسره إلي،
فيقولون: وما الذي أسره إليك؟ فيقول: ما شاء الله ويسكت. وكان كلما رأى من النبي - صلى الله عليه وسلم - مخايل ما قال له الملك، يقول: أنا أبو الحارث، ما رميت غرضا إلا أصبته.
المصدر:
- مرآة الزمان في تواريخ الأعيان: 3/63.
المؤلف: شمس الدين أبو المظفر يوسف بن قِزْأُوغلي بن عبد الله المعروف بـ «سبط ابن الجوزي» (581 - 654 هـ)
تحقيق:محمد بركات، كامل الخراط، عمار ريحاوي
الناشر: دار الرسالة العالمية، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، 1434 هـ - 2013 م
تعليقات
إرسال تعليق