الفرزدق يطلق زوجته بسبب جرير

 


قصة زواج الفرزدق غالب بن صعصعة  من النوار بنت عبدالله بن أعين بن ضبيعة المجاشعي، وقد كانت ابنت عم الفرزدق.


وذلك أن رجلاً من قريش خطب النوار  فبعثت إلى الفرزدق، وكانت ابنة عمه، لأنه أقرب ولي لها بعد فقد أهلها، فقالت: أنت أولى ألناس بي، فزوجني من هذا الرجل. فقال: أشهدي عليك أنك قد فوضت أمرك إلي، وقد رضيت بمن أزوجك. ففعلت.

فلما اجتمع الناس خطب الفرزدق وقال: إن النوار قد فوضت أمرها إلي، فاشهدوا أني قد تزوجتها على مئة ناقة سود الحدق.

وبلغها فأبت، ونافرته إلى عبد الله بن الزبير، فلما قدما مكة نزلت على زوجة عبد الله، وهي بنت منظور بن زبان، ونزل الفرزدق على حمزة بن عبد الله بن الزبير فكان كما أصلح حمزة مع أبيه نهارا أفسدته بنت منظور ليلا، فتحاكما إلى ابن الزبير، فحكم على الفرزدق، فقال الفرزدق:

أما البنون فلم تقبل شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن زبانا

ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

وبلغ ابن الزبير، فقال للنوار: هذا خبيث اللسان، وسيهجوني وأضرب عنقه، فإن أحببت ذلك فافعلي. فقالت: قد أجزت نكاحه. فزوجه بها، فأقامت عنده زمانا، تارة ترضى به، وتارة تسخط

فجاء يوما إلى حلقة الحسن وقال له: يا أبا سعيد، إني قد طلقت النوار ثلاثا. ثم ندم وأتبع الثلاث نفسه، فقال له الحسن: والله لئن رجعت لأرجمنك بأحجارك.


وذات يوم اجتمع شعراء النقائض الثلاثة (جرير والفرزدق والأخطل) وكان جريراً أقواهم شعراً، وأسرعهم قريحة، 

فاجتمع الشعراء الثلاثة يوماً عند الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.

وكان الخليفة يستمتع بالمبارات الشعرية التي تحصل بين الشعراء الثلاثة 

 فأخرج الخليفة كيساً فيه دنانير ذهبية،  وقال:أيكم يقول بيتا من الشعر يغلب فيه الاّخَرْين فله هذا الكيس،

 فبدأ بالفرزدق حيث قال:

أنا القطِران والشعراءُ جربى ... وفي القطران للجربى شفاءُ

ثم أنشد الأخطل:

فأن تك زقّ زاملةٍ فأنني ... انا الطاعون ليس له دواءُ

فقال جرير:

أنا الموت الذي أتي عليكم ... فليس لهارب مني نجاةُ

فقال الخليفة:قد غلبكما جرير.

 فأخذ جرير الكيس، فعز ذلك على الفرزدق أن يغلبه جرير في مجلس الخليفة،

فقال الفرزدق :يا أمير المؤمنين زوجتي طالق إن لم أغلبه (يعني جريرا) هذه المرة.

(أي يريد مبارزة أخرى)

فنصحه الخليفة بأن يحتفظ بزوجته ولا يبارز، إلا أنه أصر على المبارزة، فقال له الخليفة: أنت وشأنك، قد نصحتك،


فقال الخليفة قل يا فرزدق، فقال:

إني أنا الموت الذي هو واقع بك ... فانظر كيف انت مزاوله

فالتفت الخليفة إلى جرير وقال: قل يا جرير، فقال جرير:

أنا الدهر والدهر غالبٌ ... فجئني بمثل الدهر شيئاً يطاوله

فقال عبد الملك: قدغلبك ثانية يا فرزدق فماذا تقول؟ 


فقال الفرزدق:أنفذ شرطي وزوجتي طالق مني، وقيل أن زوجته وكان اسمها (نوار) طلبت منه الطلاق وأن يشهد على طلاقها الحسن البصري، فطلقها وندم على طلاقها، فأنشد يقول:

ندمت ندامة الكسعيّ ... لما بانت مطلقة مني نوارُ

كانت جنتي فخرجت منها ... كاّدم حين أخرجه الضرار

فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... بأمر ليس في فيه خيار

وكنت كفاقئ عينيه عمدا ... فأصبح ما يضيء له النهار


ثم راجعها، وماتت عنده، وأوصت أن يصلي عليها الحسن، فصلى والفرزدق حاضر، فلما سوي عليها قام فقال:

أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا

إذا جاءني يوم القيامة قائد ... عنيد وسواق يسوق الفرزدقا

لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا

يساق إلى نار الجحيم مسربلا ... سرابيل قطران لباسا محرقا

إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم ... يذوبون من حر الحميم تمزقا



المصدر: 

- مرآة الزمان في تواريخ الأعيان لسبط ابن الجوزي: 10/ 501-504.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

عبدالمطلب وسيف ابن ذي يزن